الثلاثاء، 6 يوليو 2010

إعدام السنة .. الوجه الأكثر قبحًا لإيران

سني نيوز : السيد أبو داود : إذا كان أحد وجوه إيران القبيحة هو وجهها الإقليمي الذي تريد من خلاله السيطرة على المنطقة العربية ونشر المذهب الشيعي فيها ومساعدة الجماعات والتنظيمات الشيعية في المنطقة من أجل إقامة ما يسمى بـ"الهلال الشيعي"، دون أية مراعاة لمدلول ما ترفعه من شعارات "الوحدة" و"الأخوة الإسلامية" .. إلخ، إلا إن أقبح الوجوه الإيرانية هو الوجه المذهبي للدولة الإيرانية في الداخل الإيراني ضد السنة الإيرانيين، حيث التضييق والقمع والمنع من الحقوق ثم الاعتقال والاغتيال والإعدام.

وجاء إعدام السلطات الإيرانية لـ"عبد الملك ريجي" زعيم حركة "جند الله" -التي تتهما الحكومة بالمسئولية عن العديد من العمليات المسلحة في محافظة سيستان بلوشستان- ليؤكد هذا الوجه الإيراني القبيح.

ولو افترضنا جدلًا وصدقنا اتهامات النظام الإيراني لعبد الملك ريجي وحركته، بأن الحركة مجموعة مسلحة معادية للثورة في شرق البلاد، وأن ريجي مسئول عن جرائم سطو مسلح واعتداءات مسلحة ضد القوات المسلحة وقوات الأمن ومواطنين عاديين، وأعمال قتل، فإن هذا كله لم يحدث إلا رد فعل على السياسات الإيرانية الداخلية تجاه السنة كأقلية تم تهميشها وقمعها ومنعها من حقوقها.

فالإحصاءات شبه الرسمية لحكومة إيران تقول: إن السنة الإيرانيين يشكلون 10% من السكان، إلا إن بعض مصادر السنة تؤكد أنهم يشكلون 30%، وهو يوافق الإحصائية القديمة التي أجريت أثناء حكم الشاه. وهناك مصادر أخرى تقول: إن السنة يشكلون من 15 إلى 20% من سكان إيران، وعلى أي حال فإن مصادر أهل السنة تؤكد أنهم لا يقلون أبدًا عن 20 مليون سني من جملة عدد السكان البالغ 75 مليون نسمة.

ويتوزع السنة على أطراف إيران بعيدًا عن المركز الذي تشيع أثناء الحكم الصفوي، وأكثرهم من الأكراد (شافعية) والبلوش (حنفية) والتركمان (حنفية) والطوالش (الديلم، غرب بحر قزوين في محافظة غيلان ومحافظة أردبيل)، ثم يليهم العرب (خاصة في لنجة) وبعض الآذريين (حنفية نقشبندية)، أما الفرس الشافعية فكثير منهم في محافظة فارس وبعضهم في طهران.

وأهل السنة يشكلون الغالبية في كردستان (من مدينة قصر شيرين شمال الأهواز إلى حدود أرمينية على طول حدود تركيا) وبلوشستان وبندر عباس والجزر الخليجية وبو شهر وتركمن صحرا (من بحر قزوين إلى حدود تركمانستان) وشرقي خراسان (تحدها من الشمال تركمانستان، ومن ناحية الشرق أفغانستان). كما يعيشون كأقليات في كرمنشاه وخوزستان، ومناطق في محافظة لرستان، إضافة لمن هاجر منهم للمدن الكبرى كطهران وأصفهان ومشهد.

وتاريخيًّا، كان أهل السنة (الشافعية والحنفية) هم الأكثرية في إيران، وكان الشيعة أقلية، محصورة في بعض المدن الإيرانية، مثل قم، وقاشان، ونيسابور، ولما وصل الشاه إسماعيل الصفوي إلى الحكم سنة 907 هـ أجبر أهل السنة على التشيع حين خيرهم بينه وبين الموت، ففرض التشيع على الإيرانيين بالقوة، وجعل شعاره سب الخلفاء الثلاثة، وكان شديد الحماس في ذلك، سفاكًا لا يتردد أن يأمر بذبح كل من يخالف أمره أو لا يجاريه, وقيل إن عدد قتلاه زاد عن ألف ألف نفس (أي: مليون سني)، وانتشر المذهب الشيعي بالتدريج في وسط إيران، نتيجة لهذا القهر والعنف والقتل وإراقة الدماء، بينما بقي أهل السنة في الأطراف.

ويتمركز سنة إيران بالقرب من خطوط الحدود التي تفصل إيران عن الدول المجاورة ذات الأغلبية السنية مثل باكستان وأفغانستان، والعراق وتركمانستان.

والسنة في إيران هم الأكثر فقرًا والأقل تعليمًا والأبعد سكنًا عن العاصمة طهران، والتي يمنعون من إقامة مسجد لهم فيها حتى الآن، رغم الكثير من المناشدات والوعود. وتبرر الحكومة رفضها بأن المساجد الشيعية مفتوحة أمام أهل السنة ليصلوا فيها، وأنه لا داعي لبناء مساجد خاصة بهم ضمانًا للوحدة.

حين اندلعت الثورة في إيران عام 1979م، شارك أبناء أهل السنة بكل أطيافهم فيها، وكان علماؤهم وشبابهم في مقدمة المتظاهرين ، وقدّموا مئات الأرواح في سبيل نيل الحرية والخلاص من الظلم والاستبداد وإقامة الجمهورية الإسلامية، لكن بعد سقوط نظام الشاه بأشهر قليلة بدأ الخميني وتلاميذه مسلسل الخداع الذي مازال مستمرًا حتى اليوم، بعدما نجحوا في تحويل آمال الشعب في إقامة جمهورية إسلامية إلى إقامة جمهورية طائفية شيعية ضيّقة، واستعملوا السلطة لقمع الأقليات المذهبية والقومية، واتخذوا مذهبهم الشيعي الإمامي الاثنى عشري الطائفي مصدرًا للدستور، وبدأ مسلسل استهداف ومعاداة أهل السنة، مستفيدين من جميع الوسائل السياسية والاقتصادية والإعلامية المتاحة لهم، فمنذ بداية الثورة حتى اليوم، يمارس النظام الإيراني أبشع أنواع الظلم والتميز ضد علماء ودعاة وشباب وطلبة ومثقفي وأبناء أهل السنة.

وإذا كان حكام إيران يتحدثون عن حرية أهل السنة في بيان عقائدهم وممارسة طقوسهم، فهذا كله كذب، فالجاري على أرض الواقع أنه يتم منع أئمة وعلماء أهل السنة من إلقاء الدروس والخطب في المدارس والمساجد والجامعات، ولاسيما إلقاء الدروس العقائدية، فكل ما سبق يجب أن يكون بأمر من وزارة الإرشاد الإسلامي وتحت مراقبة وزارة الأمن والاستخبارات، ويجب ألا يخرج الإمام عن الحدود المقررة له وإلا اتهموه بالوهابيّة.

ومراكز ومساجد أهل السنة تحت المراقبة الدائمة وتجسس رجال الأمن وأفراد الاستخبارات، خاصة أيام الجمعة.

أهل السنة، أيضًا، ممنوعون من جميع وسائل الإعلام والنشر، فهي مخصصة فقط لأبناء الطائفة؛ كي يستخدموها لضرب وإضعاف أهل السنة، الذين هم أيضًا ممنوعون ومحرومون من تأسيس المنظمات وتنظيم الندوات والاجتماعات مهما يكن نوعها أو حجمها.

أما الكتب الدينية، والعقائدية منها خاصة، مثل كتب ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، فمحرم بيعها وشراؤها، كما هو محرم وممنوع دخول أي كتاب أو أي منشورات أو مجلات إسلامية من الدول العربية أو الإسلامية إلا بعد أن تمرّ على وزارة الإرشاد الإسلامي وتوافق هي عليها.

أهل السنة في إيران محرومون أيضًا من بناء المساجد والمراكز والمدارس في المناطق ذات الأكثرية الشيعية. فمثلًا: يعيش في طهران حوالي مليون شخص من أهل السنة، ولكن ليس لديهم أي مسجد أو مركز يصلون أو يجتمعون فيه، بينما توجد كنائس للنصارى واليهود ومعابد للمجوس. كل ذلك تحت ذريعة الحفاظ على وحدة المسلمين وتجنبًا للفرقة، كما أن هناك مدنًا كبيرة ليس فيها أي مسجد لأهل السنة مثل مدن: أصفهان، يزد، شيراز، ساوة، كرمان وغيرها.

أما اعتقال وسجن مشايخ أهل السنة وعلمائهم وطلبة العلم والشباب الملتزم، فإنه من قبيل الأحداث اليومية المتكررة، تحت ذرائع واهية وكاذبة وملفقة. ففي السجون الإيرانية الآن رموز لمشايخ وعلماء أهل السنة وطلبة العلم. وأصبح الاغتيال والاختطاف والإعدام للعشرات من العلماء والدعاة البارزين والمثقفين وطلبة العلم، سياسة دائمة ومستمرة للنظام الإيراني.

كل ما سبق من قمع واضطهاد، دفع عبد الملك ريجي إلى تأسيس جماعة "جند الله" عام 2002م في محافظة سيستان بلوشستان التي تقطنها أغلبية من عرقية البلوش السنة، وأطلق عبد المالك ريجي شرارة المواجهة مع الحرس الثوري الإيراني في عام 2005م، حين قامت جماعته بخطف 9 جنود من حرس الحدود الإيرانيين، وطالبت آنذاك بالإفراج عن بعض أعضاء مجموعتها المعتقلين في إيران.

كذلك تعرّض الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في عام 2005م لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للإقليم، واتهمت السلطات الإيرانية جماعة "جند الله" بمحاولة الاغتيال، وفي عام 2007م، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن العديد من الهجمات التي استهدفت الحرس الثوري في مدينة زاهدان كبرى مدن الإقليم، وفي يناير عام 2009م وقع هجوم تفجيري في ساراوان على مقر لقوات الأمن.

ونتيجة الهجوم على مسجد "أمير المؤمنين"، أعدمت السلطات الإيرانية نحو عشرين شخصًا هذا العام، لاتهامهم بالتورّط في الهجوم أو بأنهم أعضاء في جماعة "جند الله"، وهذه ليست أول مرة ولن تكون الأخيرة، فإيران اعتادت على هذه المذابح استنادًا على مبررات كثيرة كاذبة وغير حقيقية.

وتبرر "جند الله" سلوكها تجاه النظام الإيراني بأنها تقاتل من أجل نيل حقوق الأقلية السنّية، وترى الجماعة أن السنة في إيران يتعرضون للكثير من المآسي جراء ما هو واقع عليهم من اضطهاد وظلم وإبادة من قبل النظام الإيراني، من قتل كبار العلماء وهدم المساجد وإغلاق المدارس الدينية وتشريد القيادات الدينية وطلبة العلم وإبعادهم، بهدف استئصال أهل السنة وفرض المذهب الشيعي على الشعوب الإيرانية السنية من الأكراد والبلوش والتركمان وبعض العرب وغيرهم قسرًا وإكراهًا، وهو ما استوجب المواجهة والمقاومة بشتى الأشكال والصور.

إلا إن ما ارتكبته إيران أثناء محاكمة ريجي رسخ الشكوك بأن معظم ما يقوله النظام الإيراني عن سنة إيران إنما هو كاذب وغير حقيقي، فقد ادعت الحكومة الإيرانية أنها ضبطت بحوزته أثناء القبض عليه وثائق وإثباتات تدلّ على ارتباط التنظيم بأمريكا وبعض البلدان الأوروبية، وأذاعت اعترافات لريجي يقر فيها بهذه الاتهامات، لكن مصادر جماعة "جند الله" تشكك في الأمر برمته وتقول: إنه تعرض لتعذيب شديد كما أنه كان يبدو غير مستقر وغير متوازن أثناء هذه الاعترافات.

إيران أرادت أن تسير الأمور وفق مخططها من أجل إثبات صلة مزيفة للجماعة بأجهزة استخبارات عربية وأجنبية، من أجل تشويه صورة صورتها بل وتشويه أهل السنة كلهم على وجه العموم.

وتدعي السلطات الإيرانية أن "جند الله" يسعون إلى الانفصال عن إيران، وهذا ادعاء كاذب وغير حقيقي؛ فمطالب الناشطين البلوش جميعًا بما فيهم الجماعة تتلخص في تحقيق العدالة والمساواة ضمن دولة فيدرالية مكونة من بلوشستان ذات سيادة؛ وهي رؤية تتفق مع رؤية العديد من الجماعات والأحزاب في بلوشستان.

مطالب ريجي أعلنها في نوفمبر من العام الماضي مقابل وقف جماعته لعملياتها ضد السلطات الإيرانية، وهي: "إزالة قواعد الحرس الثوري وباقي القواعد العسكرية من سيستان وبلوشستان، والإفراج عن السجناء السياسيين دون قيد أو شرط، وإقامة نظام فيدرالي في الإقليم"، لكن إيران لم تتجاوب قيد أنملة مع هذه المطالب لأنها تتبع سياسة عدم الاعتراف بحقوق الأقليات، وهي تمضي في ظلمها غير عابئة بأحد.

لكن إعدام عبد الملك ريجي، وما سبقه من عشرات بل ومئات أو آلاف من العلماء والدعاة وطلبة العلم والسياسيين والمثقفين السنة، لن يضيع سدى وإنما سيكون من ناحية فضحًا للنظام الإيراني وكشفًا لوجهه القمعي الاستبدادي المذهبي الحقيقي، ومن ناحية أخرى ستكون هذه الدماء هي جذور الشجرة التي ستظل تنمو رغم المحن والآلام حتى تصل في يوم من الأيام إلى غايتها المحتومة بالانتصار لحقوق المظلومين وكشف غمتهم.

المصدر : البشير .

ليست هناك تعليقات: