الخميس، 19 مارس، 2009

تبسيط الخلاف بين السّنّة والشيعة لا يصنع تقاربا ً ولا يُصلح فكرا ً


صباح الموسوی

تبسيط الخلاف بين السّنّة والشيعة لا يصنع تقاربا ً ولا يُصلح فكرا ً

ان ما يحز في نفس أي مسلم مؤمن وحريص على هذه الأمة هو ما يشاهده من صراعات طائفية ومذهبية دامية كالحاصل في العراق وباكستان وغيرها . ناهيك عن الخلافات السياسية الحادة التي منشؤها الصراعات الطائفية و التي تشهدها لبنان و البحرين وبلدان عربية أخرى بدرجات متفاوتة .

ومن المؤكد ان ليس بإمكان أي باحث منصف أو مهتم بالقضايا الإسلامية ان يحّمل هذا الخلاف أو الصراع القائم لحقبة زمنية معينة ، فالتاريخ الإسلامي قد شهد مذابح عديدة كانت ناتجة عن الصراع الطائفي وما هو واقع حاليا من صراع فان مرده الى الحقب السالفة و ليس أمرا مستحدثا كما يحاول البعض إظهاره. فعلى الرغم مما نسمعه ونقرأه عن التقريب بين المذاهب والطوائف و الدعوة للوحدة الإسلامية ، فان هذا الكلام بقي مجرد لغو بين أطراف من الفريقين كل طرف يحاول الاستفادة منه بطريقته الخاصة حيث حاول كل منهما استخدام الكلام العاطفي و القفز على الحقيقة دون مناقشة الأسباب الخلافية الأساسية للوصل الى تقارب حقيقي يصلح العلاقة ويوقف هذه الصراعات الدامية.

لقد أثار تصريح مفتى جمهورية مصر العربية فضيلة الدكتور علي جمعة الأخير حول الطائفة الشيعية و الذي نشر في يوم الأربعاء 09 صفر 1430هـ - 04 فبراير 2009م عبر مواقع إعلامية والذي قال فيه : " علينا الاعتراف بما تحرزه هذه الطائفة من تقدم يُمَكننا من التعاون معها في الوقت الحالي". مؤكدا أنه " لا حرج من التعبد على مذاهبها، فلا فرق بين سني وشيعي".' موجة من ردود الأفعال وقد رد فضيلته على منتقديه بتصريح نشر في يوم الاثنين 05 ربيع الأول 1430هـ - 02 مارس 2009م' قال فيه أيضا :" أن الخلاف بينهما ( السنة والشيعة ) ليس بفعل عوامل سياسية، وإنما مجرد اختلاف في الفهم والمصادر، حيث إن مصادر الشيعة القرآن ومرويات آل البيت وهم: علي والحسن والحسين مع قلة من الصحابة أمثال عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري، ولا يروون إلا عن هؤلاء فقط ، أما أهل السنة فإنهم يعتمدون في مصادرهم على كل أسانيد الصحابة البالغ عددهم 114 ألفاً هم الذين أدوا حجة الوداع مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والـ30 ألفاً الذين عايشوه في المدينة، ويسبق ذلك الاعتماد على القرآن الكريم " .

كلام الشيخ يؤكد بما لا يترك لدى الباحث مثقال ذرة من الشك ان كلامه يحمل في طياته أهدافا سياسية بحتة ولكن قد تكون مبررة من وجهة نظر مؤيديه إذا كانت الغاية منها إصلاح أمر من أمور هذه الأمة إلا ان الذين رفعوا دعوى ضد فضيلة المفتي قد شككوا في حسن نواياه وقالوا في دعواهم : " تلك الفتوى تتزامن مع التوقيت نفسه الذي ينظر فيه القضاء دعوى مقامة ضد الرقابة المصرية، بسبب رفضها السماح بعرض فيلم الخميني بين الحقيقة والخيال، الذي يتناول مسائل عن الإمام الخميني والشيعة، وهو ما يعد تأثيراً في القضاء المصري مارسه المفتي، مستغلاً منصبه الرسمي ومنتصراً لتوجهه الفكري " .

و بعيدا عن مواقف المؤيدين أو المعارضين لرأي الدكتور علي جمعة فإننا نعتقد ان ما قاله فضيلته لا يبتعد كثيرا عن ما قاله من سبقوه أو ما يقوله بعض أقرانه من رجال الدين الذين ينتمون للمؤسسة الدينية الرسمية في مصر أو غيرها و الذين اعتادوا على أسلوب التبسيط في تناول المسائل الخلافية الصعبة كي لا يتهموا بالتشدد والتطرف مع ان التعصب للحق فضيلة وتوضيح الحقيقة واجب بغض النظر عن المنطق السياسي الذي اعتاد ان يلوي عنق الحقيقة ليصنع من الأسود ابيضا ومن الباطل حقا .

علما ان القول بجوهرية الخلاف العقائدي بين السنة والشيعة لا يدخل قائله في دائرة التعصب كما ان تبسيط الخلاف والقفز على الحقيقة لا يقدم حلا للمشكلة ولا يصنع من مدعيه إنساناً منفتحا أو وسطيا كما يحلو للبعض ان تطلق عليهم مثل هذه التسميات ثم كيف لنا ان نعرف عقائد و أفكار الآخرين ونحكم عليها أليس من خلال كتبهم؟ فكتب علماء الطائفة الشيعية توضح بصراحة عقائد القوم وآراءهم و هذه الكتب ليست بمنشورات سرية حتى يقال عنها إنها غير ملزمة أو ليست بحجة عليهم بل أنها كتب متواترة قديمها وحاضرها وقد بيّن العديد منها رأي مؤلفيها في مسألة تحريف القرآن سواء بالنقص أو الزيادة و لا اعتقد ان القول بتحريف القرآن يعد خلافا عابرا أو يمكن وصفه بالاختلاف في الفهم والمصادر حسب رأي الدكتور علي جمعة بل انه اختلاف في جذر العقيدة التي يشكل القرآن الكريم مصدر تشريعها.

وهنا سوف نضع قائمة مختصرة بأسماء عدد من علماء الطائفة الشيعية و كتبهم التي تحدثوا فيها صراحة عن تحريف القرآن وحشروا فيها العديد من الروايات والأسانيد المعتمدة لديهم لإثبات رأيهم في هذه المسألة.

1- أبو منصور احمد بن منصور الطبرسي في کتاب (الاحتجاج)

2- أبو الحسن العاملي في کتاب (مرآة الأنوار و مشکاة الأسرار)

3- حسين نوري الطبرسي في کتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب)

4- سيد عدنان البحراني في کتاب (مشارق الشموس الدرية )

5- سلطان محمد بن حيدر الخراساني في کتاب ( تفسر بيان السعادة في مقامات العبادة )

6- سيد عبدالله شبر في كتاب (منية المحصلين في حقيقة طريقة المجتهدين )

7- سعد بن عبدالله القمي في کتاب (ناسخ القرآن و منسوخه )

8- سيد علي بن احمد الکوفي في کتاب (بدع المحدثة )

9- علي بن إبراهيم القمي في کتاب ( تفسير القمي )

10 - نعمة الله الجزائري في کتاب ( الأنوار النعمانية ).

11- محمد باقر المجلسي في کتاب (مرآة العقول من شرح أخبار آل الرسول)

12- ميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي في کتاب (منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة )

13- محمد بن مرتضي الکاشاني الملقب به الفيض الکاشاني في کتاب ( تفسير الصافي)

14- محمد بن نعمان ( الشيخ مفيد) في کتاب (مسائل السرورية )

15- محمد بن حسن الصفار في کتاب (بصائر الدرجات )

16- محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني في كتاب ( الكافي )

17- محمد بن الحسن الشيباني في کتاب ( تفسير نهج البيان عن کشف معاني القرآن)

18- محمد بن مسعود العياشي في كتاب (تفسير العياشي)

19- ميثم البحراني في کتاب (شرح نهج البلاغة )

20- يوسف البحراني في کتاب ( الدرر النجفية )

وهناك المزيد منهم ومنزلة هؤلاء العلماء لدى الشيعة تعادل مكانة ومنزلة الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل والبخاري وابن تيمة عند السنة .

وهنا سوف نقدم ( على سبيل المثال وليس الحصر ) بعض الروايات والأحاديث والآراء الواردة في كتب علماء الشيعة الذين مر ذكرهم بشأن تحريف القرآن .

اولا ً: كتاب تفسير الصافي لمؤلفه " الفيض الكاشاني " الناشر دار الكتاب الإسلامي طهران ' المجلد الاول الصفحة 44 من المقدمة السادسة جاء فيها : " ( أقول : المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام إن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله ومنه ما هو مغير محرف وإنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها أسم علي عليه السلام في كثير من المواضع ومنها لفظة آل محمد "ع" غير مرة ومنها أسماء المنافقين في مواضعها ومنها غير ذلك انه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .) " .

ثانيا ً: كتاب أوائل المقالات لمؤلفه محمد بن نعمان " الشيخ المفيد" الصادر عن دار الكتاب الإسلامي في بيروت . جاء في باب ' " القول في تأليف القرآن وما ذكر القوم من الزيادة فيه والنقصان " ( أقول :إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ( ص ) باختلاف وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان فأما القول بالتأليف فالموجود فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه . وأما النقصان فإنّ العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه وقد امتحنت مقالة من ادعاه وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم طويلا ً فلم أظفر منهم بحجة . ) .

ثالثا ً: كتاب إلزام الناصب في إثبات حجة الغائب لمؤلفه " علي الحائري " المجلد الثاني صفحة 96 صادر عن دار الاعلمي بيروت ." ( فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين و قال لهم كل من عنده قرآن من آية او سورة فليأت بها فجاء أبو عبيدة بن الجراح وعثمان وسعد ابن أبي وقاص ومعاوية ابن ابي سفيان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وحسان ابن ثابت وجماعات المسلمين وجمعوا هذا القرآن واسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم بعد وفاة سيد المرسلين فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين ( ع ) بخطه محفوظ عند صاحب الأمر ( ع ) فيه كل شيء حتى ارش الخدش وأما هذا القرآن فلا شك ولا شبهة و انما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الأمر (ع) . ) ".

رابعا ً: كتاب نور البراهين لمؤلفه نعمة الله الجزائري الصادر عن مؤسسة النشر الإسلامي في قم ' المجلد الاول صفحة 526 جاء فيه ' " ( فنقول : روى أصحابنا و مشايخنا في كتب الأصول من الحديث وغيرها أخبارا كثيرة بلغت حد التواتر في أن القرآن قد عرض له التحريف و كثير من النقصان وبعض الزيادة .

منها : ما روي عن السادة الأطهار عليهم أفضل الصلوات في قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قالوا : كيف تكون هذه الأمة خير أمة وقد قتلوا الحسين بن علي عليهم السلام و انّما نزلت كنتم خير أئمة . يعني بهم أهل البيت عليهم السلام . ومثل ما روي بالأسانيد الكثيرة عنهم عليهم السلام في قوله عزّ شأنه " يا أيُها الرسول بلغّ ما اُنزل إليك في علي " الآية .

ومنها : ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لمّا سئل عن الارتباط بين الكلاميين في قوله تعالى ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) فقال عليه السلام : قد سقط ما بين الكلاميين أكثر من ثلث القرآن )" .

خامسا ً: كتاب تفسير القمي لمؤلفه أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي ' وهو من أسانيد الكتب الشيعية الأربعة ' الكافي ' من لا يحضره الفقيه ' تهذيب الأحكام والاستبصار. فقد جاء في مقدمة المجلد الاول "( وأما ما هو معرف منه قوله : ( لكن الله يشهد بما أنزل عليك في علي أنزل بعلمه والملائكة يشهدون ) وقوله : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي فإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) وقوله : ( ان الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ) وقوله : ( سيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون ) وقوله : ( ولو ترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت ) ومثله كثير نذكره في مواضعه . )" .

فهذا غيض من فيض الكتب والمصادر التي تحدث فيها مشايخ الطائفة السابقون عن رأيهم في تحريف القرآن و علماء ومراجع الطائفة الحاليون لا يرفضون ما جاء به أسلافهم من القول بتحريف القرآن بل يدافعون عن هذه الآراء وأصحابها بكل صراحة .

وقد يسأل سائل عن سبب قول علماء الشيعة بتحريف القرآن طالما ان الله تعالى قد قال ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ' وقد بيّن أيضاً ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) '؟. فالجواب على هذا السؤال كما يراه بعض الباحثين يكمن بالأسباب التالية :

اولا ً : لعدم ذكر القرآن الكريم موضوع الإمامة ' حيث يؤكد علماء الشيعة ان مسألة الإمامة من صلب العقيدة الشيعية وهي جزء من الإيمانيات كل الإيمان بالله وبالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) و منكرها يعد كافراً وهكذا الأمر بالنسبة للولاية التي تعد عندهم أفضل أركان الإسلام . وقد روى الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر قال: ( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل ؟ فقال : الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن) '( الكافي للكليني - 2/18) .

إذن فان الولاية التي لها كل هذه العظمة عند الشيعة لم تذكر في القرآن فيما ذكرت الصلاة و الزكاة وغيرها صراحة لذا فقد اوجد هذا الأمر مشكلة لم يجدوا حلا لها إلا القول بتحريف القرآن مدعين ان كبار الصحابة و بسبب عدائهم لعلي وأبنائه و لكي يتخلصوا من ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قاموا بحذف الآيات الدالة على الإمامة والولاية!

ثانيا ً: ان علماء الشيعة ومن اجل التخلص من التناقض الواضح بين القرآن الكريم و ما تحمله كتبهم بشأن مقام و منزلة الصحابة ( رضوان الله عليه )' فقد اعتقدوا بتحريف القرآن الكريم لكونه قد ذكر فضل و علو منزلة صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) فيما كتبهم تكفر الصحابة .

ثالثا ً : من الأسباب التي دعتهم الى الطعن بالقرآن هو عدم ذكر القرآن الكريم للائمة وفضلهم وفضل زيارة قبورهم . لذا فقد لجأ علماء الشيعة الى اتهام الصحابة بحذف الآيات الدالة على فضائل الأئمة و معاجزهم .

وبعد كل هذا الذي تقدم نتساءل من اوجد هذا الخلاف الطائفي ،أهم السياسيون ام من يسمون بالعلماء وأعطوا هذه الورقة للسياسيين لكي يلعبوا بها ؟

لذا نرى من الواجب على الساعين في التقريب وحل الخلاف ان لا يقفزوا على الحقيقة وان لا تكون الغاية من الحديث عن التقريب مجرد تهدئة خواطر لأهداف وغايات سياسية معينة بل يجب عليهم ان يسحبوا هذه الورقة من أيدي من يعتقدون أنهم السبب في إشعال الفتن وذلك من خلال التخلي عن الأفكار والعقائد الخلافية التي أوجدوها و أولها مسألة القول بتحريف القرآن التي تشكل ام الخلافات بالإضافة الى مسألة تكفير الصحابة والخلفاء الراشدين وذلك لكي يثبتوا صدق مساعيهم في تحقيق التقارب و إزالة الخلافات.

http://www.alssiyasi.com/?browser=view&EgyxpID=21173

ليست هناك تعليقات: